..................................................

 You2 Telegram Watsap2 T2 F2

الاندماج في التعلّم عن بعد

 
التعليم عن بعد في المغرب

 

 
 

هذا المبحث ليس بصدد الخوض في معترك تاريخي أو مصطلحي للتعلّم عن بعد، واللذان تناولتهما أبحاث كثيرة ورسائل منشورة، ولكنه موجّه للجنود الذين وجدوا أنفسهم فجأة في ميدان مختلف تماما عن الميدان الذي عملوا فيه طيلة الوقت، وأقصد هنا المعلّمين الذين انتقلوا من التعليم عن قرب – في الفصول الاعتيادية – إلى التعليم عن بعد – عبر الإنترنت -، بقواعد ومهارات وإمكانات جديدة ومختلفة عما كانوا عليه من قبل؛ لذا سأحاول هاهنا التقريب بين نوعي التعليم السابقين في أذهان المعلّمين ؛ ليقوموا بالانتقال السلس في حال استمر هذا الوضع للعام الدراسي القادم 2020 – 2021، بل وأزعم أنهم سيتمكنون من الاستفادة من هذه الفترة والإمكانات العديدة التي فرضها التعليم عن بعد في التعليم عن قرب حين تعود الحياة لسالف عهدها.

التعلم عن بعد هو نهج تعليمي قديم حديث، بل وقبل الإنترنت، وكان يتمثل في مراسلات الجامعات بالبريد من إرسال الرسائل العلمية ومراجعتها للحصول على درجات الماجستير والدكتوراه، ثم تطوّر ليشمل البرامج التعليمية التي كانت وما زالت تبثّ في الإذاعة خاصة تلك المهتمة بنشر اللغات كما كانت تفعل (بي بي سي  BBC، وصوت أمريكا Voice of America) مع إرسال دوريات وشرائط كاسيت مدمجة لاستكمال المنهج التعليمي، والذي قمت شخصيا بالاستفادة منه حين كنت في المرحلة الثانوية 1988- 1989، كما ظهر التلفاز ببرامجه التعليمية والبحثية، والجامعات المفتوحة التي يراسلها الطلبة للحصول على الدرجات العلمية عن بُعد، وبعد ظهور الكومبيوتر والإنترنت ازدهرت هذه الدراسات، ونشأت أفكار مثل : التعلّم المنزلي المتمثل في خان أكاديمي ومنصات القراءة العربية وغيرها.

وقد كانت الدول تحاول الحفاظ على مؤسساتها التعليمية من جهة كما كانت تريد ضمان الحصول على خريجين على أعلى مستوى من التعليم من جهة أخرى، فسنّت القوانين حول الاعتراف أو عدم الاعتراف بالتعليم عن بعد خاصة المراحل الجامعية الأولى ثم شملت الدراسات العليا كالماجستير والدكتوراه، بل صارت بعض الدول تحدّد الجامعات التي تقبل الشهادات العلمية الصادرة منها دون غيرها كما قالت الجريدة الرقمية (الشرق 2017) عن وزارة التعليم القطرية.

 

اليوم – وقت كتابة هذا المبحث – وصلنا إلى كوفيد-19 أو المشهور بفيروس كورونا، وتحديدا عند بدء إيقاف الدراسة في مارس 2020 في أغلب الدول العربية  كما حدث في مصر (الجريدة الرقمية – سكاي نيوز 2020)، والغربية كما كتب عن إيطاليا (الجريدة الرقمية – البوابة 2020)، حينها صار التعلّم عن بعد هو المقبول فالسائد فالمتحكم فالمنقذ.

بعد هذا التقديم المختصر عن تاريخ التعلّم عن بُعد فغاية هذا المبحث هو الإجابة عن أسئلة أزعم أنّها تهمّ المثلث التعليمي: المعلّم والمتعلّم والأسرة، وهي كذلك ثلاثة أسئلة تهمهم جميعا ومتشابكة مع بعضها البعض، بل وتتشارك في نفس الإجابة وهي:

–        كيف يعزّز المعلّمون التعلّم عن بعد أو التعلّم في ظل أزمة كوفيد 19؟

–        كيف يندمج الطلبة في التعلّم عن بعد (يتعلّمون ويستمتعون) ؟

 

–       كيف يصبح التعلّم عن بعد ذا جدوى من وجهة نظر الأهل؟

 التعليم والتعلّم

 دار هذا الحوار بين معلّمين:

المعلّم الأول: لقد علّمت طلابي أن يتسلقوا هذا الجبل.

المعلّم الثاني: وهل تسلقوه بالفعل؟

الأول: لقد قلت: إنني علمتهم، ولم أقل إنهم تعلّموا.

 

إن التفريق بين عمليتي التعليم والتعلّم في ذهن المعلّم ومن ثم في طريقة تعليمه أمر مهم ومُلِّح سواء في التعلّم عن قرب أو التعلّم عن بعد، وذلك لأنّ الفارق بينهما كبير جدا، والأثر المترتب على كلا الفهمين يحقق نتائج مختلفة ويصاحبه أساليب مختلفة في التعلّم، على سبيل المثال: فالمعلّم الذي يهتم بالتعليم على حساب التعلّم سيعتبر نفسه مصدر المعلومات وأنّه – أي المعلّم – هو المحرك الرئيسي للعملية التعليمية برمتها، فيجتهد في جمع المعلومات ومن ثم في الشرح، ويعتمد استراتيجية التلقين والمحاضرة؛ مما ينتج لدينا مجموعة من الطلاب الحافظين للمعلومات فحسب ناهيك عن نسيان تلك المعلومات والمعارف بمجرد انتهاء التقييمات السنوية.

بينما على الجانب الآخر: أي في حال المعلّم الذي يهتم بالتعلّم أكثر من التعليم فنجد صفا متفاعلا متعلّما، والعضو الفاعل فيه هو المتعلّم الذي يتأكد من تعليمه، ويحقق تقدما في كل خطوة يخطوها بإرشاد المعلّم، كما نجد – في هذا النوع من التعلّم – معلّما يناقش طلابه، ويقيّم تعليمه لهم وتعلّمهم باستمرار ولا يتخلى مطلقا عن التغذية الراجعة كنهج للتحسين والتعلّم الحقيقي. ولنبدأ بتفريق وتعريف واجبين بين عمليتي التعليم والتعلّم.

يعرّف الكاتب جين براون ( تامبا، فلوريدا) التعليم Teaching على أنّه جاء من الكلمة الإنجليزية القديمة “tǣcan” والتي تعني “إظهار” أو ” أشر إلى”. من الواضح أنّه عندما تسمع كلمة “تعليم”، غالبًا ما تفكّر في الفصول الدراسية والدروس وبالطبع المعلّمين الذين يشيرون إلى معلومات مختلفة. ومن ثم، فهي عملية توصيل الأفكار والعواطف و / أو المهارات للمتعلّمين أو الطلاب. يركز المعلّمون على خبرات الطلاب أو التلاميذ الصغار ويسهلون المواقف لضمان التعلّم. ( Brown 2020)

وكما أتفق مع التعريف السابق للتعليم فأتفق أيضا مع هذا التعريف التاريخي المقتبس لنفس الكاتب عن ( التعلّم  Learning ) بأنّه نشأ من الكلمة الإنجليزية القديمة “leornian” والتي تُترجم على أنها “ للحصول على المعرفة ” أو “ للتفكير”. في الواقع، يتعلّم الناس من خلال الحصول على معرفة جديدة وعندما يكتسبون رؤى من التفكير في شيء ما. على وجه التحديد، التعلّم هو الحصول على معلومات جديدة أو تعديل المعرفة الموجودة والتفضيلات والخبرات وغيرها من جوانب السلوك. (Brown 2020)

 

ومما سبق أدركنا أنّ التعليم والتعلّم عمليتان مكملتان لبعضهما البعض في العملية التعلّمية / التعليمية الناجحة والتي تجعل التعلّم عن بعد ينجح ويزدهر مهما طال انتظار العودة للصفوف، بل ويجب أن يستمر التعلّم بجانب التعليم في كل المدارس لتحقيق تعلّم حقيقي ناجع، ولنعتبر التركيز على التعلّم أمرا مُسلّما لا ريب فيه فيما سيأتي من حديث عن التعلّم القصدي والاندماج في التعلّم والذي سيكون بمثابة الإجابة عن الأسئلة الثلاثة المطروحة سابقا.

المعلّم هو أقرب الخطوط للمتعلّم، بل هو أهم خط في العملية التعلّمية، وقناعات المعلّم وثقافته التعليمية هي التي تعزز التعلّم أيا كان وأينما كان، لذا كان من المهم الانتباه بأنّ تحقّق التعلّم عن بُعد أو حتى عن قُـرب كان وما زال يعاني من تحدّيات كثيرة أهمها:

        الكم أم الكيف.

        الموضوع أم المفهوم.

وبجانب التحديات السابقة فإنّ التعلّم عن بُعد يضيف بُعدا آخر وتحديا يعقّد من سير العملية التعليمية؛ حيث صار المتعلّم بعيدا عن المعلّم مكانيا مما أدّى إلى:

        قـلّة الإحساس بجدية العملية التعليمية.

        فقدان التفاعل (الحركة الصفّية أو التعلّم باللعب ومتعة العمل اليدوي).

        قلة فعالية التغذية الراجعة ( Feedback ).

–       غياب التعلّم الخبراتي (experiential learning)

وهذه التحديات كذلك مشمولة في الكيف والمفهوم كحلّين رئيسيين لهذه التحديات كما سيبدو لاحقا.

ورغم محاولات المؤسسات التعليمية إضفاء صبغة الجدّية على العملية التعليمية من خلال:

        التواصل مع الأهل والطلبة والمعلّمين بشكل مكثف عمّا سبق.

        تدريب المعلّمين وإمدادهم بالمواقع والاستراتيجيات التي تناسب التعلّم عن بعد.

إلاّ أنّ بعض المعلّمين والمتعلّمين انصرفوا عن التعلّم الفعّال بالإبقاء على شكلية العملية التعليمية فحسب من إعطاء غير موجّه للكم يقابله أخذ غير منظم؛ ولنجعل التعلّم عن بعد تعلّما قصديا فعلينا أن نهتم بتغطية هذه المساحات المهمة التي تم ذكرها من الاهتمام بالكيف قبل الكم والمفهوم أكثر من الموضوع.

1- الكم والكيف

تقول إحدى الدراسات الموسومة بـ (نوعية وكمية التعليم في عملية التطوير): الجودة المنخفضة نسبيًا قد تثبط وتفشل فرص متابعة التعليم بعد المرحلة الابتدائية، لأن الجودة المنخفضة تقلل من عائدات التعليم العالي. (Hidalgo-Cabrillana, & others 2010)

ورغم أنّ هذه الدراسة تنظر لجودة التعليم من ناحية الاستثمار واقتصاديات السوق إلاّ أنّ ما يهمنا فيها هو التركيز على أنّ التعليم يجب أن يهتم بالكيف والجودة المرتفعة مع التركيز على تحسين الكم كذلك كما سأوضح لاحقا.

في بعض المدارس هناك كمّ مطلوب وعلى المعلّم تعليمه في نهاية العام، وهو محتوى الكتاب المدرسي الذي يتسلمه الطلاب في بداية العام  وما يشمله من موضوعات، وهنا تظهر كلمة ( الموضوع ) بدلا من (المفهوم ) أي أنّه إذا تعدينا واعترفنا بأهمية الكمّ الذي يجب على المعلّم تحقيقه فهو ( كم ) يرتبط بموضوعات ينساها المتعلّم بعد انتهاء التعليم، وليس بمفاهيم تظلّ مع المتعلّم طوال حياته ليكون متعلّما مدى الحياة وليس متعلّما مؤقتا، وأزعم أنّ الاهتمام بالكيف هو الاهتمام الذي يجب أن يسخّر له الوقت، وينصبّ عليه الاهتمام خاصة في التعلّم عن بعد، وكيف سيتم تعليم الكم أو المحتوى (عن بعد ) من جانب المعلّم ليتم استقباله وتعلّمه من جانب المتعلّم؟

والدارس للتعديلات التي وضعتها منظمة البكالوريا الدولية IBO حديثا يلاحظ اهتمام هذه المنظمة بالكيف أيضا، وذلك بإعطاء المتعلّم الصوت والاختيار وملكية التعلّم أكثر من ذي قبل إيمانا منها بأنّ تحمّل المتعلّم مسؤولية تعلّمه هي أهم ما في العملية التعليمية سواء عن بعد أو عن قرب، لذا وضعت هذا التوجّه في معاييرها الأساسية حين تطالب المنظمة القادة التربويين للمدارس التي تطبّق برامجها بتوفير فرص لتمثيل صوت الطالب في المدرسة، كما تطالب المعلّم بتشجيع اختيار المتعلّم ومشاركته عند التخطيط والتطبيق عند وضع المناهج ووضع هذا الاختيار في المكان الملائم له، ونتيجة لذلك يجب أن توفّـر المدرسة الفرص للطلاب للحصول على ملكية تعلّمهم من خلال معارض يقدمها المتعلّم في المرحلة الابتدائية حيث يعرض فيها رؤيته حول القضايا التي تحيط بنا مع مجموعته، ومشاريع شخصية يعرض فيها المتعلّم ابتكاراته بشكل فردي مبينا كيف سيخدم بها مجتمعه، وهذه المشروعات وخدمة المجتمع يقدمها الطالب في المرحلتين الإعدادية والثانوية، وإذا ما ألقينا نظرة على تلك المعايير التي تدعو للاهتمام بالتعلّم من ناحية والكيف من ناحية أخرى فسنجد التالي:

  • المتعلّمون مدى الحياة 3.3: يوفر القادة التربويون فرصًا لتمثيل صوت الطالب في المدرسة. (المرحلة الابتدائية ) (0402-03-0300) (IB – PSP-2020- p.15 )
  • مناهج التدريس 1.4: يشجّع المعلّمون على اختيار الطالب في الأماكن المناسبة في المناهج الدراسية. (المرحلة الابتدائية ) (0403-01-0400)  (IB – PSP-2020- p.16 )
  • توفّـر المدرسة الفرص للطلاب للحصول على ملكية تعلّمهم من خلال المشروع الشخصي ومشروع المجتمع. (المرحلة المتوسطة ) (0402-06-0221) (IB – PSP-2020- p.15 )

وأضرب مثالا توضيحيا: عند بدء درس عن مفهوم ( الحرية والمسؤولية – العلم والإيمان – الاحترام بين الثقافات …إلخ ) نترك للمتعلّم حرية التعبير لسماع صوته ورؤيته للمفهوم، ومن ثم البحث ليقارن بين وجود تلك الحرية كمثال في الكتب، ووجودها في الواقع من خلال مجتمعه، ثم بوجودها في الثقافات العالمية من حوله، ثم اختيار الوجهة التي يفضلها ويطمح لتحقيقها في بحثه عن ( حرية الإنسان أو الحيوان أو حتى الجماد … ومسؤوليته أو مسؤولية المجتمع أو العالم بأكمله … إلخ ) كما يتراءى له البحث حتى يصل بنفسه إلى الحقيقة، ويعبّر عنها من وجهة نظره فيمتلك تعلّمه حينها.

كما يمكن أن نطلب منهم العمل بشكل جماعي لعمل فيلم عن المفهوم الذي تعلّموا عنه، فيمكن أن يكون العلم والإيمان ممثلين في فيلم عن علماء العرب والمسلمين، وكيف ربطوا بين العلم والإيمان في مخترعاتهم واكتشافاتهم.

كما يبدو الاهتمام بالكيف كذلك في الدمج والتوازن بين الحركة الصفية والعمل اليدوي والتكنولوجي، وهي نظرية معمول بها في مدارس العلوم والتكنولوجيا ستيم STEM. وقد قمت بعمل رسالتي للماجستير حولها، وربما تحتاج لمقال آخر، ولكن لمحاولة تقريب الرؤية بالتمثيل: فحين علّمت طلابي عن مفهوم (الجمال) ممثلا في (جمال الخط الكوفي) فقد تعلّموا عن الخط، ثم كتبوه، ثم قاموا بعمل أشكال هندسية يدويا أو بمساعدة برامج تكنولوجية بحسب ميول واختيارات المتعلّمين مثل سكتش اب  SketchUp في نقل آيات قرآنية وعبارات مأثورة وأشعار بخطوطهم التي تحسنت بشكل ملحوظ بعد التدرب عليها والتجريب المستمر لتحسين المنتج، ونتيجة لهذا الاهتمام بالكيف بشكل أعمق تحقق التعلّم للكم المطلوب بشكل متقن وجذاب.

وربما يعلق البعض بأنّ كل تلك الأنشطة لابد لها من التعلّم عن قرب وجها لوجه، وأؤكد لهم أنّه يمكن تعويض التعلّم الخبراتي experiential learning الذي يفتقده التعلّم عن بعد بتعميق الكيف من خلال وضع بعض الحلول العملية مثل زيارة المتاحف العالمية افتراضيا، والتي أصبحت متاحة مجانا بسبب كورونا على متاحف جوجل Google museum فيمكن للمعلّم الاستفادة منها لنقل طلابه إلى رحاب أوسع من التعلّم عن بعد بدلا من حصر التعلّم بالموضوعات المقررة فقط وبين دفتي الكتاب فحسب.

يمكن العمل بالطبع على تنمية مهارات التفكير الأخرى مثل التركيب والتنظيم … إلخ والاستفادة من التمثيل السابق بمهارة المقارنة، كذلك يمكن تطبيق نفس الطريقة مع مهارات التحليل والمعرفة والإبداع… إلخ، كما يمكن للبعض اتباع المهارات المقترحة في تصنيف بلوم  Bloom’s taxonomy وهو مجموعة من ثلاثة نماذج هرمية تستخدم لتصنيف أهداف التعلّم التعليمية إلى مستويات من التعقيد والخصوصية. تغطي القوائم الثلاثة أهداف التعلّم في المجالات المعرفية والوجدانية والحسّية، كما يمكن اتباع المعايير المتبعة في كل مؤسسة. وهذا التعمق في كيفية التعلّم وتكييفه للمتعلّم سوف يجعل المتعلّم شغوفا وتزيد دافعيته مما يجعل الأهل يشعرون بأن أبناءهم وبناتهم يتعلّمون بالفعل بل ويمكن لهم التعلّم مع أبنائهم حيث يكون التعلّم بهذا الشكل أكثر إفادة للصغير والكبير.

وبعد الحديث عن أهمية الكيف وكيفية تعميقه لتحقيق التعلّم المرجو والكم المستهدف سوف أتحدث عن شكل آخر ارتبط في بعض الأمثلة السابقة بالكيف وهو المفهوم، والذي لا يقل في أهميته عن الكيف حيث لا يمكن الفصل بينهما بحال.

2- الموضوع والمفهوم

تقول لين إريكسون (2016 Erickson ) : إنّ الموضوعات تشكل مجموعة من الحقائق المتعلقة بأشخاص أو أماكن أو مواقف أو أشياء معينة، وإن الموضوعات تتعلق بأمثلة واقعية محددة مثل: النظم البيئية في غابات الأمازون المطيرة، واستجابات أوروبا مثلا لقضية اللاجئين.. إلخ.

كما تعرف المفاهيم بأنها بُنى ذهنية مستمدة من الموضوع وتفي بهذه المعايير: المستمرة، كلمة واحدة أو كلمتين أو عبارة قصيرة، عالمية، ومجردة (بدرجات مختلفة).  كما توجد أمثلة مختلفة للمفاهيم التي تشترك في سمات مشتركة. وتضيف: تُظهِر المفاهيم مستوى أعلى من التجريد من الموضوعات بسبب قابليتها للتعميم، وتأتي المفاهيم على مستويات مختلفة من العمومية والتجريد والتعقيد.  ويمكن أن تكون المفاهيم كلية أو جزئية مثل : النظام والقيم … إلخ (  Concept-based curriculum and Instruction for the thinking classroom – p.33 )

الموضوعات والوحدات الدراسية هي مادة ارتأت المدارس أهميتها لمتعلّميها، ليتعلّموا عنها أكثر من خلال المدرسة، فعلى سبيل المثال عند تدريس مادة التربية الإسلامية وخاصة الموضوعات الحيوية مثل: الصلاة والزكاة والصوم والحج … إلخ، وهي موضوعات يتعلّمها المتعلّم في كافة مراحل التعلّم من مرحلة الحضانة وحتى الثانوية بالتدريج، ورغم ذلك التكرار لهذه الموضوعات فإن أغلبنا – كمسلمين – يحتاج لمراجعة قواعد هذه الأمور حتى بعد أن يصبح رجلا مسؤولا في المجتمع، لأنه ينساها ويحتاج إلى كتيبات توزع في أوقات الحج وفي المساجد لمراجعتها، رغم أنّ هدف الكثيرين هو ترسيخ مهارة الحفظ في مثل هذه الموضوعات بدعوى أنّه لا يوجد مجال للإبداع فيها، وهي دعوى غير صحيحة بالطبع فالإبداع ليس له حدود، وهذه الموضوعات ينساها المتعلّم تماما بعد انتهاء دراستها، لأنّ الوقت والاهتمام لم ينصبّا منذ البداية على المفاهيم، والتي تظلّ معه طوال حياته. فعلى سبيل المثال: لو درّسناه مفهوما يشمل كل هذه العبادات ووجودها وأهميتها في الدين الإسلامي والأديان السماوية مثلا، وذلك بتدريس مفهوم ( الإيمان ) والذي يحتوي بالطبع على هذه الموضوعات ويرسّخها بشكل أكثر بل ويجعل الوحدة تتسع لتنضوي على موضوعات أكثر وأعمق قد تتعدى الدين الواحد إلى مقارنة بين الأديان في المراحل التعليمية المتقدمة فسوف يدرك المتعلّم كنه هذه الأمور وسبب عملها والحكمة من وراء ذلك وبالتالي فلن ينساها.

وهو ما قالت به لين إريكسون (2016 Erickson ) : لن يكون هناك تحسّن كبير في التعليم حتى يفهم المعلّمون والإداريون أهمية المفاهيم والفهم المفاهيمي للتطور الفكري والفهم الأعمق وتحفيز الطلاب للتعلّم.

وهي تتحدث عن نموذج تصميم منهج ثلاثي الأبعاد يؤطر المحتوى الواقعي والمهاري لمجالات المواد بمفاهيم وتعميمات تخصصية. حيث يتناقض المنهج الدراسي القائم على المفهوم مع النموذج التقليدي ثنائي الأبعاد للموضوع وتصميم المنهج القائم على المهارات.

حيث إنّ النماذج ثنائية الأبعاد والتي تهتم بها بعض المناهج تركّز على الحقائق والمهارات بينما تركّز النماذج ثلاثية الأبعاد على المفاهيم والحقائق والمهارات لاكتساب فهم مفاهيمي أعمق للمحتوى التعليمي الذي تطرحه المناهج الدراسية كما سبق وأوضحت. (  Concept-based curriculum and Instruction for the thinking classroom – p.8 )

ولذلك فإن التعلّم القائم على المفاهيم يخرج الطالب من التخصصية الضيقة إلى مفهوم واسع ومتجاوز للتخصصات أو مايسمى interdisciplinary.

فإذا انصبّ اهتمامنا على المفهوم وليس على الموضوع فسوف يجعل ذلك الطالب يرتبط أكثر بالتعلّم، حيث سيكون التعلّم حيويا من ناحية وممتعا من ناحية أخرى حين يتبحّر المتعلّم في الثقافات الأخرى، ويعرف كيف يفيد للعالم من حوله بما يتعلّمه، والتعلّم عن بعد يتيح كل ذلك بل يجعل المتعلّم يندمج أكثر في التعلّم، ذلك التعلّم الذي يحترم عقله ومهاراته الفكرية، وبالتالي ينطبق ذلك على الأهل الذين يلمسون تعلّم أبنائهم بأنفسهم ويتعلّمون معهم ويحفزونهم عليه.

وأخيرا، ففي ظل التعلّم عن بعد فإننا بحاجة للتركيز على المفاهيم وليس على الموضوعات، والمهارات أكثر من المعلومات، حتى يركّـز المتعلّم على ما يجعله متعلّما مدى الحياة، فيتحفز للتعلّم أكثر ويندمج مع المعلّم ومع غيره من المتعلّمين كمصادر وفرص تعليمية حيّة حوله.

وفي الختام أرجو أن يكون التصوّر السابق مستوفيا لكيفية جعل التعلّم عن بعد تعلّما قصديا ومعزّزا وهادفا ومشعرا للأهل بأهمية التعلّم، حتى يوفّـر تعلّما بديلا نوعيا في ظل الظروف التي نعيشها اليوم – جائحة كوفيد 19 – والتي يمكن لنا أن نجعلها فرصة كبيرة ونهضة شاملة للمدارس بزيادة أدوات المعلّم واستراتيجياته وفتح آفاق تعلّمية جديدة صالحة للتعلّم، وأن يكون فرصة كذلك للمتعلّمين حيث يتعلّمون تحمّل مسؤولية تعلّمهم وحبّ التعلّم وأهمية البحث والتقصي وإدارة الذات والتواصل كمهارات حياتية مهمة، كما يشكل التعلّم عن بعد فرصة كبيرة للأهل الذين يقتربون بشكل أكبر من تعلّم أبنائهم من ناحية ومواكبة التطور التكنولوجي من ناحية أخرى.

تعليم جديد 

12